مجمع البحوث الاسلامية

497

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يختلف بحسب ما أتاهم من الخير والشّرّ ، فهم متردّدون بين النّفع والضّرر ، دون عقيدة ثابتة ، ولو كانت باطلة يجادلون عنها كالفريق الأوّل . وقد حملها بعضهم على المنافقين والفريق الأوّل على الكفّار ، وهذا وإن صحّ من وجه إلّا أنّ القرآن لا يقصد هنا الفرق بين الكافر والمنافق - وهم الّذين يخالف ظاهرهم باطنهم - بل أراد تنويع النّاس في تصوّرهم عن الدّين ، فمنهم الثّابتون على باطلهم يدافعون عنه - طبعا بلا دليل حقّ - من غير ملاحظة ما يترتّب عليه من خير أو شرّ - ومنهم من هو تابع للنّتيجة المادّيّة من الدّين ، ولا قرار له على شيء ثابت ، ولا ينظر إلى الدّين إلّا كوسيلة للوصول إلى ما ينفعه ولا يضرّه . ولذلك فسّر كثير منهم عَلى حَرْفٍ في الآية ب « على شكّ » لأنّهم ليسوا على يقين ، وهو تفسير باللّازم لا بالمنطوق ، فإنّ الحرف : جانب الشّيء ، وفيه تشبيه بليغ ، شبّهه اللّه لعدم استقراره بمن وقف على طرف الجبل أو طرف النّهر ، أو شك أن يسقط . قال الشّريف الرّضيّ : « هذه استعارة ، والمراد بها - واللّه أعلم - صفة الإنسان المضطرب الدّين ، الضّعيف اليقين ، الّذي لا يثبت في الحقّ قدمه ، ولا استمرّت عليه جريرته ، فأوهن شبهة تعرض له ينقاد معها ويفارق دينه لها ، تشبيها بالقائم على حرف هواه . . . » . وقد اتّكل هو ككثير منهم على ضعف إيمانه وعدم استقرار دينه ، والحال أنّ الغرض من الآية ليس ضعف إيمانه وقوّته ، بل بيان أنّه لا إيمان له إلّا كوسيلة للنّفع والحذر من الشّرّ . وأقرب كلام فيها سبق في النّصوص ما عن الطّباطبائيّ : « وهذا صنف آخر من النّاس غير المؤمنين ، وهو الّذي يعبد اللّه سبحانه بانيا عبادته على جانب واحد دون كلّ جانب ، وعلى تقدير لا على كلّ تقدير ، وهو جانب الخير ، ولازمه استخدام الدّين للدّنيا - إلى أن قال - : فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ تفسير لقوله : يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ وتفصيل له » . وقد عبّر عنهم سيّد قطب في كلامه الطّويل ب « ذلك الصّنف من النّاس يجعل العقيدة صفقة في سوق التّجارة . . . إنّ حساب الرّبح والخسارة يصلح للتّجارة ، ولكنّه لا يصلح للعقيدة ، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته . . . والمؤمن لا يجرّب إلهه » . وعلى ذلك يحمل كلام من فسّر ( على حرف ) ب « على شرط » ومنهم مغنيّة ؛ حيث قال : « محصّل المعنى أنّ الّذي يعبد اللّه على حرف هو الّذي لا يعبده إلّا على شرط أن يعوّضه عن عبادته ، ويقبض ثمنها في هذه الحياة ، وإلّا كفر به وبكتبه ورسله . وليس بذاك ، فإنّ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ لا يشترط على اللّه ، بل الشّرطان عبارتان عن صورتي إظهار إيمانه وإنكاره ، وليس في الحقيقة له إيمان بتاتا .